أبي منصور الماتريدي

178

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل لِمَنْ أَرادَ أن يزيد حتى يتم ، أو لِمَنْ أَرادَ أن يقتصر على التمام ، على أن الآية ليست في حق الحرمة ، لكنها في حق الفعل ؛ إذ قد يجب الحرمة لا بحولين . وروى عن ابن عباس « 1 » ، رضى اللّه تعالى عنهما ، في تأويل قوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] ، وقوله : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] ، قال : إن كان الحمل ستة أشهر ، ففصاله في عامين ، وإن كان الحمل تسعة أشهر ، فيقدر الباقي ؛ فدل هذا على أن ( الحولين ) ليسا بشرط في الفطام ، ولا وقت له ، لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان . واللّه أعلم . وقد ذكرنا أن قوله : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، يحتمل وجهين : قيل : إنه في المطلقة ، وقيل : إنه في المنكوحة . وقد دللنا على أنه في المنكوحة . واللّه أعلم . وقوله : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها . قال قوم : قوله : إِلَّا وُسْعَها ، إلا ما يسع ويحل . لكن هذا لو كان على ما ذكر لكان بالأمر يحل ويسع ، فكان كأنه قال : لا نكلف إلا ما نكلف . وذلك لا يكون . وقال قوم « 2 » : إِلَّا وُسْعَها ، يعنى : طاقتها وقدرتها . وهذا أشبه ، ومعناه : لا يكلف الزوج بالإنفاق عليهما والكسوة إلا ما يحتمل ملكه وإن كانت حاجاتها « 3 » تفضل عما يحتمله ملكه ، لم يفرض عليه إلا ما احتمله ملكه - واللّه أعلم - كقوله : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [ الطلاق : 7 ] . ثم اختلف في تحريم الرضاع في حال الكبير « 4 » :

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 4953 ) ، وسعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه ( 1 / 512 ) . ( 2 ) قاله سفيان أخرجه ابن جرير عنه ( 4976 ) . ( 3 ) في أ ، ب : حاجتهم . ( 4 ) لا خلاف بين الفقهاء في أن ارتضاع الطفل وهو دون الحولين يؤثر في التحريم ؛ فقد قال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد - وهو الأصح المفتى به عند الحنفية - : إن مدة الرضاع المؤثر في التحريم حولان ؛ فلا يحرم بعد حولين . واستدلوا بقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وقالوا : جعل اللّه الحولين الكاملين تمام الرضاعة ، وليس وراء تمام الرضاعة شئ . وقال عزّ من قائل : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ وقال : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وأقل الحمل ستة أشهر فتبقى مدة الفصال حولين ، ولحديث : « لا رضاع إلا ما كان في الحولين » ، ولحديث أم سلمة مرفوعا : « لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » . وقال ابن تيمية : وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرّم . واحتجوا بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة أن أم سلمة قالت لعائشة : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علىّ ، فقالت عائشة : أما لك في رسول اللّه أسوة حسنة ؟ قالت : إن -